« بحاجة لكل شيء لنبقى أحياء »

Photo du camp de Yarmouk. Dr Moawia.

Photo du camp de Yarmouk. Dr Moawia.

أدعى الدكتور معاوية ،الاختصاصي في الامراض البولية و التناسلية منذ نيسان عام 2012م و أسكن في مخيم اليرموك، أحد أكبر التجمعات للاجئين الفلسطينيين في سوريا، الذي أنشئ عام 1957م في دمشق، حيث يبلغ عدد سكان المخيم حوالي نصف مليون نسمة حسب إحصائيات عام 2010م. حاليا يقتصر العدد على عدة الاف نسمة لأن غالبية ساكنيه انتقلوا إلى المناطق والأحياء المجاورة نتيجة الحصار الذي تعرض له المخيم منذ 15 تموز عام 2013 الذي لايزال حتى يومنا هذا، ووفقا لهذه الظروف ذاتها التي أرغمتني ،كطبيب عام، لمعالجة كافة الأمراض التي يتعرض لها سكان المخيم وحتى تلك البعيدة عن اختصاصي. فما أحاول هنا تقديمه عبارة عن موجز عن الوضع العام في مخيم اليرموك محاولا التركيز على الجانب الطبي

كثيرا ما سئلت حول ما أريده بالضبط؟ لقد كتبت في إحدى المرات محاولا الإجابة على هذا السؤال بشكل موجز قدر الإمكان (إننا بحاجة لكل شيء حتى نصبح أحياء). فلا أحد هنا في مخيم اليرموك، من بينهم أنا بالطبع، يمتلك أقل الحقوق الإنسانية ككائن بشري. فلا أعني بكلامي الحديث عن حق الحرية أو حرية التعبير أو حرية المعتقد، ولكنني أتكلم بشكل أساسي حول الحاجة إلى الطعام من أجل البقاء على قيد الحياة، لأننا نعاني هنا ليس فقط من الجوع وإنما نعيش مجاعة حقيقية

Photo de l’unique hôpital qui fonctionne encore à Yarmouk. Photo: Dr Moawia

Photo de l’unique hôpital qui fonctionne encore à Yarmouk. Photo: Dr Moawia

في الفترة بين تشرين الثاني عام 2013 وحتى شباط 2014, كانت المجاعة سببا لخسارة حياة حوالي 177 نسمة ، معظمهم من كبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم أو من الأطفال وعلى وجه التحديد حديثي الولادة الذين لم يتجاوز وزنهم أثناء ولادتهم أربعة أرطال أي بما يعادل 1،8 كغ، نتيجة لمعاناة أمهاتهم من سوء التغذية وهذا ما انعكس سلبا على عدم قدرتهم على تأمين كميات كافية من الحليب الطبيعي لإنقاذ أطفالهم من الموت، إلى جانب معاناتهم من النقص الحاد لحليب البودرة المخصص للأطفال منذ بداية الأزمة في سوريا

لقد كان الجوع سببا في خسارة العديد من سكان مخيم اليرموك، متأثرين بالمجاعة إضافة لأسباب أخرى متعلقة بأوضاعهم الصحية. خلال عدة أسابيع كانت تقتصر وجبات غذائهم على المياه الملوثة التي كانت سببا في ظهور العديد من حالات الفشل الكلوي الحاد. الأمر الذي زاد في الطين بلة أنه تم قطع المياه عنهم منذ حوالي تسعة أشهر، ما أجبر السكان على شرب مياه الآبار التي تلوثت بمياه الصرف الصحي، ما أدى لتواجد حالات مرضية بشكل يومي مثل الالتهابات المعوية و الكائنات الأولية (معتضيات وحيدة الخلية التي تعيش في الأوساط المائية أو سوائل أخرى كالدم والتي لا ترى بالعين المجردة حيث تسبب العديد من الأمراض مثل الملاريا) إضافة للإسهال الشديد الناجم عن سوء التغذية. إضافة لما سبق غنى المياه بالإكسالات (عبارة عن أملاح غير قابلة للانحلال في المياه والتي تعتبر المكون الرئيسي في تكوين الحصى الكلوية). هذه الأمراض وغيرها تمثل تحديا حقيقيا وذلك عائد للنقص الحاد في الدواء

Photo de l’unique hôpital qui fonctionne encore à Yarmouk. Photo: Dr Moawia

Photo de l’unique hôpital qui fonctionne encore à Yarmouk. Photo: Dr Moawia

حول موضوع الأمراض، يعاني العديد من السكان من الأمراض المزمنة والمعدية و نجد على رأس قائمة مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، فالمصابين بهذه الأمراض يعانون من نقص المعالجة وهذا ما يتسبب على المدى الطويل بمضاعفات ناجمة عن اضطرابات عديدة مثل الحمض الكيتوني و السكري و الخناق الصدري أمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض الوعائية الدماغية.

لقد كان الجوع سببا في زيادة حالات الوفاة الناجمة عن نقص السكر في الدم، فمازالت حادثة وفاة رجل في الخمسين من العمر في ذاكرتي والعائد سببها إلى انعدام شراب سكر العنب

لو امتلكنا الدواء لتمكنا من إنقاذه الشراب و لما كنا خسرنا العديد من الأرواح أمام أعيننا ونحن واقفين مكتوفي الأيدي، ولكن هذه الحالة أثبتت لي أن أداة الشرط (لو) تستخدم فقط للتمني، لأننا نعيشها بالفعل كل يوم هنا

يسبب عدم توفر الفحوص المخبرية و الأشعة الأساسية إعاقة في تشخيص العديد من الأمراض، وهذا ما يكون سببا في وقوفنا في أغلب الأوقات حائرين مكتوفي الأيدي غير قادرين على تحريك ساكن. فمثلا مرضى السرطان لا يتمكنون من الحصول على علاجهم الكيماوي والإشعاعي ، فقد كان من بينهم أبو رياض، رجل في السبعين من العمر، مصابا بورم سرطاني في البروستات و الرئة والانبثاث الفقري ، فقد كان يعاني من ألام حادة في ضيق التنفس والخثار الوريدي العميق والدنف ، فبعد شهور من معالجة الأعراض والدعم النفسي فقد تمكنا من إرساله إلى الأردن حيث لقي مصرعه في مشفى بعمان (العاصمة الأردنية) بعد دخولها بخمسة أيام، حيث تعتبر الأمراض المزمنة محددة لبعض الأشخاص في حين باقي الأمراض يظل الكل عرضة للعدوى

فيمايلي تعتبر بعض الأرقام ولكن لابد من التوضيح أولا بأنها ليست جميع الحالات المرضية في مخيم اليرموك وإنما مقتصرة فقط على الحالات التي تم تشخيصها من قبلي منذ أيار عام 2014 م، حيث فحصت أكثر من 370 مريض منذ ذاك الوقت، ومن بين تلك الحالات ثمانية وسبعين 78 حالة مرضية من حمى التيفوئيد، حيث كانت أولى الحالات في 12 تموز عام 2014م ، في حين 20 حالة أخرى كانت السعال الديكي والسل وشلل الأطفال وثلاثة مئة حالة من التهاب الكبد المعدية (ِA) ، كان الأطفال هم الأغلبية العظمى لضحايا هذا المرض الناجم ،على الأرجح، عن الظروف الحياتية الفريدة من نوعها من حيث شدة القسوة التي يعيشونها في هذه الأيام

إلى جانب ذلك، لم يكن العقل في مأمن وبعيدا عن هذه الاضطرابات التي تصيب الجسم، حيث أن أغلب الأمراض انتشارا في مخيم اليرموك هي الأمراض النفسية و يعتبر مرض العصاب مرض العصر لعل أكثر الحالات انتشارا هي اضطرابات الاكتئاب والقلق العام و الوسواس القهري والخوف ونوبات الهلع والتي تعتبر دلالات عن وجود اختلال في الوظائف العقلية

أمل فتاة شابة في الثالثة والعشرين من العمر، من معاني اسمها باللغة العربية الرجاء و التفاؤل. حيث قدمت إلى العيادة مع أمها للمرة الأولى في حزيران عام 2014م، فقد قضينا حوالي 20 دقيقة من المقابلة في التحدث فقط عن مقياس الضغط (ضغط الدم) الذي كان موجودا على مكتبي، وتبين أنها تشكو من الهلوسة السمعية والبصرية و هذا ناجم عن التصور المشوه للواقع والتقلبات الحادة في المزاج ، لذا كان لابد من معالجتها بدواء الربسيريدون لانفصام الشخصية لمدة ستة أشهر، ولحسن الحظ تحسن وضعها تحسن عما قبل ولكن لم تستطع العودة بعد لحالتها الطبيعية

أعتذر هنا إن كنت قد أطلت الحديث و اسمحوا لي أن أقدم في الختام تلخيصا حول حاجاتنا الطبية

بداية بحاجة لكادر طبي مؤهل من جراحين وأطباء من كافة الاختصاصات لأنني الطبيب الوحيد في أغلب الأوقات هنا ومعظم العاملين هم من المتطوعين، وغالبا ما يمارس الأطباء في مخيم اليرموك غير اختصاصهم في الأصل

ثانيا: كافة أنواع الأدوية من مسكنات الألم والمضادات الحيوية وأدوية لأمراض القلب و الأوعية الدموية وأمراض الرئة ، والأدوية الستروئيدية وغير السيتروئدية المضادة للالتهابات ، ومكملات الأغذية وبشكل موجز كل الأدوية

ثالثا: اللقاحات اللازمة باعتبار أن المخيم مازال يشهد العديد من الولادات الجديدة ،إضافة لتواجد مئات الأطفال في المخيم، هذا بالرغم من محاولات بعض المنظمات تزويدنا بالبعض منها ولكن بشكل غير كافي وبصعوبة أيضا

رابعا: مزودات الطاقة، فالكهرباء مازالت مقطوعة منذ سنتين تقريبا و نعتمد حتى الآن على المولدات التي تعمل بالوقود الغالي الثمن أو الرخيص المستمد من البلاستيك. فالمكان الذي أعمل فيه لا نستطيع تزويده بالكهرباء لأكثر من 3 ساعات في اليوم لذا علينا أن ننجز كافة أعمالنا خلال تلك الساعات التي تكون الأجهزة فيها شغالة و إتمام كافة أعمالنا

لنقول أخيرا إننا بحاجة لكل شيء لنصبح أحياء

على أمل أني قد تمكنت من توصيل الصورة بشكل واضح قدر الإمكان و أود شكركم بالنيابة عني وعن كل الحاضرين هنا معي على الوقت الذي أعطيتموني وعلى حسن استماعكم

الدكتور معاوية

طبيب في مخيم اليرموك بدمشق

قصة الطفل عمار علاء عقلة ذو الأربع سنوات

Amar: l'enfant de Yarmouk blessé à trois reprises

Amar: l’enfant de Yarmouk blessé à trois reprises.

يعتبر الأطفال ،على وجه التحديد، ضحايا الانتهاكات التي يتعرض لها مخيم اليرموك. وهذه قصة الطفل عمار علاء عقلة ذو الأربع سنوات،الذي تعرض لثلاث إصابات داخل نفس المخيم. كانت إصابته الأولى بشظية في عظام ساعده الايسر التي أجريت لها ثلاث عمليات ولكنها باءت بالفشل، والإصابة الثانية برصاص قناص في ركبته، في حين الإصابة الثالثة بشظية في قدمه اليسرى. يعتبر عمار في الوقت الحاضر بأشد الحاجة إلى المساعدة من حيث الأدوية والتي لا تتمكن عائلته من تأمينها بسبب ثمنها الباهظ إضافة لاحتياجه لمزيد من العمليات الجراحية.

Amar: l'enfant de Yarmouk blessé à trois reprises

Amar: l’enfant de Yarmouk blessé à trois reprises

 

Amar: l'enfant de Yarmouk blessé à trois reprises

Amar: l’enfant de Yarmouk blessé à trois reprises